م2
28/01/2026
/ الفَائِدَةُ : ( 2 ) / بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللّٰهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . /الْأَدَبُ فِي بَابِ الِاصْطِفَاءِ انْعِكَاسٌ لِحَقَائِقَ وَمَقَامَاتٍ إِلٰهِيَّةٍ/ هُنَاكَ قَاعِدَةٌ مَعْرِفِيَّةٌ جَوْهَرِيَّةٌ ، جَارِيَةٌ فِي أَبْوَابِ الْمَعَارِفِ مُهِمَّةٌ جِدًّا ، غَفَلَ عَنْ كُنْهِهَا الْكَثِيرُ ، أَوْ غَادَرُوهَا بِنَظَرٍ قَاصِرٍ مُسْتَهِينِينَ بِمَغْزَاهَا ، يَنْبَغِي صَرْفُ النَّظَرِ إِلَيْهَا ، وَهِيَ : « أَنَّ الْآدَابَ فِي بَابِ ومَقَامِ الِاصْطِفَاءِ الْوَارِدَةَ فِي بَيَانَاتِ الْوَحْيِ المعرفية لَيْسَتْ سُلُوكِيَّاتٍ مُجَرَّدَةً ، بَلْ هِيَ انْعِكَاسٌ لِحَقَائِقَ وُجُودِيَّةٍ . كَمَا أَنَّ الْفَضَائِلَ فِي بَابِ ومَقَامِ الِاصْطِفَاءِ الْوَارِدَةَ فِي بَيَانَاتِ الْوَحْيِ المعرفية ـ أَيْضًا ـ تَنْأَىٰ عَنِ الْمُجَامَلَات وَالتَّوَسُّعِات الْمَجَازِية ، لِتَكُونَ كَاشِفَةً بِالدِّقَّةِ عَنْ حَقَائِقَ وَمَرَاتِبِ الْكَمَالِ وَالْمَقَامَاتِ الْإِلٰهِيَّةِ » . وَمَعْنَاهَا: أَنَّ الْآدَابَ السَّانِيَةَ ـ سَوَاءٌ تِلْكَ القَائِمَةُ بَيْنَ البَارِي (جَلَّ ثَنَاؤُهُ) وَأَصْفِيَائِهِ، أَمِ الَّتِي تَنَاظَمَتْ بَيْنَ الأَصْفِيَاءِ أَنْفُسِهِمْ ـ تُمَثِّلُ مِرْآةً عَاكِسَةً لِلْكَمَالَاتِ القُدْسِيَّةِ، وَتَجَلِّيًا لِلْمَكَانَةِ الرَّفِيعَةِ الَّتِي حَبَا اللهُ بِهَا نُخْبَتَهُ؛ فَهِيَ البُرْهَانُ القَاطِعُ عَلَىٰ سُمُوِّ رُتَبهِمْ فِي حَظِيرَةِ القُدْسِ الإِلَهِيَّةِ. اذن : نَسَقَ الْفَضَائِلِ وَلِسَانَ الثَّنَاءِ الْوَارِدَ فِي مَدَارِكِ الْوَحْيِ يُمَثِّلُ مَنْهَجاً مَعْرِفِيّاً وَمَسْلَكاً حُجِّيّاً ؛ إِذْ إِنَّ "الْمَدْحَ" فِي لُغَةِ الْوَحْيِ لَيْسَ تَرَفاً بَيَانِيّاً ، بَلْ هُوَ تَوْثِيقٌ لِلْحُجِّيَّةِ وَالِاقْتِدَاءِ ، بِخِلَافِ نَسَقِ "الذَّمِّ" الَّذِي يَقْتَضِي فِي لُغَةِ الْعَقْلِ الْعَمَلِيِّ وَالْبَيَانِ الْإِلٰهِيِّ سَلْبَ الْحُجِّيَّةِ وَسُقُوطَ الِاعْتِبَارِ . /دَلَالَةُ النَّقْدِ الْوَحْيَانِيِّ فِي مِيزَانِ الِاصْطِفَاءِ وَالْحُجِّيَّةِ/ وَمِنْ مِشْكَاةِ هٰذِهِ الْقَاعِدَةِ يَنْجَلِي الْمَغْزَىٰ الْعَمِيقُ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ الْمَعْرِفِيَّةُ فِي مَوَاضِعَ شَتَّىٰ ؛ إِذْ وَرَدَ لِسَانُ الذَّمِّ وَالْمَعَاتَبَةِ لِمَسَالِكِ بَعْضِ زَوْجَاتِ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ، كَمَا هُوَ مُجَلًّى فِي مَضَامِينِ سُورَةِ "التَّحْرِيمِ" . إِنَّ هٰذَا النَّسَقَ الْقُرْآنِيَّ يُمَثِّلُ لُغَةً عَقَدِيَّةً وَمَنْهَجاً مَعْرِفِيّاً ، يَرْمِي إِلَىٰ إِثْبَاتِ حَقِيقَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ ، فَحْوَاهَا : أَنَّ مُجَرَّدَ الزَّوْجِيَّةِ لَا يَسْتَلْزِمُ اصْطِفَاءً لَدُنِيّاً ، وَلَا يَمْنَحُ صَاحِبَتَهُ مَقَامَ الْحُجِّيَّةِ الْإِلٰهِيَّةِ ؛ فَالذَّمُّ الْوَحْيَانِيُّ هُنَا هُوَ "سَلْبٌ لِلْحُجِّيَّةِ" وَإِخْرَاجٌ لَهُنَّ عَنْ دَائِرَةِ الِاقْتِدَاءِ الْمَعْصُومِ . /دَلَالَةُ الثَّنَاءِ الْوَحْيَانِيِّ عَلَىٰ مَقَامَاتِ أَهْلِ الْبَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)/ وَبِمَنْطِقِ الْأَضْدَادِ ، يُقَاسُ عَلَىٰ ذٰلِكَ مَا وَرَدَ مِنْ عَظِيمِ الْمَدْحِ وَسَنِيِّ الثَّنَاءِ فِي نُصُوصِ الْوَحْيِ بِحَقِّ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ؛ كَمَا فِي مَضَامِينِ سُورَتَيِ "الدَّهْرِ" وَ"الْحَشْرِ" ؛ فَهٰذَا الْإِطْرَاءُ يَنْأَىٰ عَنْ مَقَايِيسِ الثَّنَاءِ الْبَشَرِيِّ الْمُعْتَادِ ، وَيَتَفَوَّقُ عَلَىٰ مَوَاضِعِ الْمُجَامَلَةِ الْعُرْفِيَّةِ ؛ لانه تَوْثِيقٌ رَبَّانِيٌّ ، وَثَنَاءٌ إِلٰهِيٌّ يَجْمَعُ بَيْنَ حَقَائِقِ النَّامُوسِ(1) وَمَظَاهِرِ النَّاسُوتِ(2) ؛ جُلِيَتْ فِيهِ فَضَائِلُهُمُ الْقُدْسِيَّةُ ، وَكَمَالَاتُهُمُ النُّورَانِيَّةُ ، وَمَقَامَاتُهُمُ الْعَلِيَّةُ بِصِيغَةٍ حَصْرِيَّةٍ تَخْتَصُّ بِهِمْ دُونَ سِوَاهُمْ . وَمُؤَدَّىٰ هٰذَا النَّظْمِ الْمَعْرِفِيِّ : هُوَ إِثْبَاتُ حِيَازَتِهِمْ (سَلَامُ اللهِ عَلَيْهِمْ) لِمَقَامِ الْحُجِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ ، وَالِاصْطِفَاءِ الرَّبَّانِيِّ الْمَحْضِ ، وَوُجُوبِ الِانْصِيَاعِ لِطَاعَتِهِمْ مَفْرُوضَةِ الِائْتِمَارِ . /تَعَدُّدُ الْأَلْسِنَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ فِي بَيَانِ الْمَقَامَاتِ الِاصْطِفَائِيَّةِ/ وَبِعِبَارَةٍ جَامِعَةٍ : إِنَّ الْخِطَابَ الْوَحْيَانِيَّ يَعْمَدُ فِي مَوَاضِعَ شَتَّىٰ إِلَىٰ التَّعْبِيرِ عَنْ كُنْهِ الْحَقَائِقِ الْمَعْرِفِيَّةِ وَالْأُصُولِ الْعَقَدِيَّةِ بِأَلْسِنَةٍ خَاصَّةٍ ـ لَا تَتَجَاوَزُ أَهْلَهَا ـ وَمَنَاهِجَ بَيَانِيَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ ؛ فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَسُوقَ الْبَارِي (جَلَّ ثَنَاؤُهُ) مَقَامَاتِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) بِلِسَانِ الْأَمْرِ الْمُبَاشِرِ ـ كَقَوْلِهِ تَعَالَىٰ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾(3) ـ يَعْدِلُ إِلَىٰ لُغَةِ الْكَشْفِ عَنِ الْمَرْتَبَةِ الْوُجُودِيَّةِ . فَتَارَةً يَكُونُ الْبَيَانُ بِلِسَانِ الْقُرْبِ الْأَقْدَسِ كَمَا فِي قَوْلِهِ : ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾(4) ، وَتَارَةً بِلِسَانِ التَّطْهِيرِ التَّكْوِينِيِّ كَمَا فِي قَوْلِهِ : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(5) ؛ وَهِيَ سِيَاقَاتٌ مِنَ الْمَدْحِ الْقُدُسِيِّ وَالثَّنَاءِ الرَّبَّانِيِّ الَّذِي ضَنَّ الْبَارِي بِهِ عَلَىٰ الْعَالَمِينَ ، وَاخْتَصَّ بِهِ أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) دُونَ سِوَاهُمْ مِنْ هٰذِهِ الْأُمَّةِ . /دَلَالَةُ التَّكْرِيمِ الْإِلٰهِيِّ بَيْنَ لُغَةِ التَّصْرِيحِ وَالتَّعْرِيضِ/ إِنَّ هٰذَا الِاخْتِصَاصَ ، وَتِلْكَ الْمَوَازِينَ ، وَمَا تَبَدَّىٰ مِنْ حَفَاوَةٍ وَوَجَاهَةٍ صَادِرَةٍ عَنْ سَاحَةِ الْقُدْسِ الْإِلٰهِيَّةِ ؛ لَا تَنْضَبِطُ بِمَقَايِيسِ التَّكْرِيمِ الْبَشَرِيِّ ، وَلَا تَجْرِي وَفْقَ الْأَعْرَافِ وَالْعَادَاتِ الْمَحْضَةِ ، وَإِنَّمَا هِيَ مَوَازِينُ رَبُوبِيَّةٌ نَاشِئَةٌ عَنِ النَّامُوسِ الْأَقْدَسِ ، وَقَائِمَةٌ عَلَىٰ مَحْضِ الْحَقِيقَةِ ؛ إِذْ «لَيْسَ بَيْنَ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ) وَبَيْنَ أَحَدٍ قَرَابَةٌ» . وَبِنَاءً عَلَيْهِ : فَإِنَّ جَهْرَ الْبَارِي (جَلَّ شَأْنُهُ) بِالْفَضَائِلِ ، وَإِصْحَارَهُ بِالثَّنَاءِ فِي حَقِّ مَخْلُوقٍ مَّا ، هُوَ مَحْضُ الِاصْطِفَاءِ ، وَإِثْبَاتُ الْحُجِّيَّةِ ، وَإِيجَابُ الطَّاعَةِ وَالْوِلَايَةِ الْإِلٰهِيَّةِ قَهْراً . غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ لِسَانَ الْوَحْيِ يَتَفَنَّنُ فِي بَيَانِ هٰذِهِ الْحَقِيقَةِ بَيْنَ لُغَةِ "التَّصْرِيحِ" كَمَا فِي قَوْلِهِ : ﴿أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾(6) ـ وَهِيَ هُنَا لُغَةُ عَقْلٍ نَظَرِيٍّ تُؤَصِّلُ لِلْمَعْرِفَةِ وَالِاعْتِقَادِ ـ ، وَبَيْنَ لُغَةِ "التَّعْرِيضِ" الْبَلِيغِ كَمَا فِي آيَةِ التَّطْهِيرِ : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ...﴾(7) ـ وَهِيَ لُغَةُ عَقْلٍ عَمَلِيٍّ ؛ إِذْ إِنَّ إِذْهَابَ الرِّجْسِ وَالتَّطْهِيرَ التَّكْوِينِيَّ يَسْتَلْزِمَانِ عَمَلِيّاً وُجُوبَ الِاتِّبَاعِ وَمَحْضَ الِائْتِمَارِ ـ . /حُجِّيَّةُ الثَّنَاءِ الْوَحْيَانِيِّ وَبَرَاءَتُهُ مِنَ النَّزْعَةِ الْخَيَالِيَّةِ/ تَحَصَّلَ مِمَّا سَبَقَ : أَنَّ لُغَةَ الْكَرَامَاتِ وَالْفَضَائِلِ وَالْمَدَائِحِ الْمُثْبَتَةِ فِي بَيَانَاتِ الْوَحْيِ ، مَا هِيَ إِلَّا لُغَةُ حُجِّيَّةٍ رَبَّانِيَّةٍ ، وَنَسَقٌ مَعْرِفِيٌّ يُؤَصِّلُ لِلْعَقِيدَةِ الْإِلٰهِيَّةِ ؛ فَهِيَ تَنْأَىٰ تَمَاماً ـ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ ـ عَنْ مَسَالِكِ النَّظْمِ الشِّعْرِيِّ أَوِ النَّثْرِ الْأَدَبِيِّ ، وَتَتَرَفَّعُ عَنْ أَلْحَانِ الْمَدِيحِ الْمُتَرَنِّمِ بِأَخْيِلَةٍ مُجَنَّحَةٍ أَوْ مُدَاعَبَاتٍ ذِهْنِيَّةٍ لَا وَاقِعَ لَهَا . وَمِنْ هٰذَا الْمُنْطَلَقِ ، يُؤَكِّدُ الْبَارِي (جَلَّ قُدْسُهُ) آنًا بَعْدَ آنٍ : أَنَّ مَا سُطِّرَ فِي ذِكْرِهِ الْحَكِيمِ لَيْسَ مِنْ نَسْجِ الْخَيَالِ وَلَا شِعْرَ شَاعِرٍ ، بَلْ هُوَ "مِكْشَافٌ عِظِيمٌ" يَسْبُرُ أَغْوَارَ الْحَقَائِقِ ، وَيُجَلِّي الْوَاقِعِيَّاتِ الْكَوْنِيَّةِ الْمَهُولَةِ الرَّاسِخَةِ فِي عَوَالِمِهَا غَيْرِ الْمُتَنَاهِيَةِ . فَتَأَمَّلْ مَلِيًّا فِي بيان قَوْلِهِ (عَزَّ مِنْ قَائِلٍ) رَدًّا عَلَىٰ مَزَاعِمِ التَّخْيِيلِ : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (8)؛ حَيْثُ نَفَىٰ سُبْحَانَهُ أَدَوَاتِ التَّصَوُّرِ الشِّعْرِيِّ ، لِيُثْبِتَ مَقَامَ "الذِّكْرِ" الْكَاشِفِ عَنِ الْحَقِّ وَالْمُبِينِ لِلْوَاقِعِ . /تَعَامُلُ أُمِّ الْبَنِينَ وَأَوْلَادِهَا مَعَ الْحَسَنَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)/ وَمِنْ جَلِيِّ ما تقدم يَتَّضِحُ : أَنَّ سُمُوَّ الْأَدَبِ الَّذِي جَسَّدَهُ أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ وَإِخْوَتُهُ وَوَالِدَتِهِمْ أُمُّ الْبَنِينَ تِجَاهَ سَيِّدَيْ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) ، لَهُوَ شَاهِدٌ صِدْقٍ عَلَىٰ حِيَازَتِهِمْ كَمَالَاتٍ قُدْسِيَّةً وَمَقَامَاتٍ إِلٰهِيَّةً بَاذِخَةً . وَمِنْ ثَمَّ قَرَّرَ أَرْبَابُ الْمَعْقُولِ وَالْعُلُومِ الْحِكَمِيَّةِ : « أَنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ ، وَأَنَّ الْآدَابَ السُلُوكِيَّةَ مَا هِيَ إِلَّا انْعِكَاسٌ لِهَيْئَاتِ النَّفْسِ الْأَخْلَاقِيَّةِ » . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَطْهَارِ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) /حَقَائِقُ النَّامُوسِ : المَفْهُومُ وَالدَّلالاتُ/ يُعدُّ مُصطلحُ «حَقَائِقِ النَّامُوسِ» من المَفاهيمِ المَعرفيَّةِ الغَائرةِ في العُمقِ، حيث يتقاطعُ في مِضمارِهِ مَنزعُ الشَّريعةِ، ومَنطقُ الفلسفةِ، ومَشربُ الرُّوحانيَّةِ. ويقتضي استجلاءُ غوامضِهِ تفكيكَ مُفردةِ «النَّامُوسِ» أولاً، ثمَّ رَدَّها إلى «الحَقائقِ» تالياً. أولاً: المراد من معنى النَّامُوسُ (لُغةً واصطِلاحاً) : تضربُ كلمةُ «نَامُوس» بجُذورِها في الأصْلِ اليونانيِّ (Nomos)، ومعناها: القانُونُ أو السُّنَّةُ المطَّردةُ. وقد تعدَّدتْ دلالاتُها في التُّراثِ العربيِّ والإسلاميِّ لِتشملَ: الاول : (الوَحْيُ) ؛ وهو : الرِّسالةُ السَّماويَّةُ المُنزلَةُ. الثاني : (القَانُونُ الكَوْنِيُّ) ؛ ويُقصدُ بهِ السُّننُ الوجوديَّةُ الثابتةُ التي تحكمُ مَسارَ الوجودِ. الثالث : (الشَّريعةُ) ؛ وهي مَنظومةُ الأحكامِ والتشريعاتِ المنظمةِ لِحياةِ البشرِ. ثانياً: المراد من كُنْهُ «حَقَائِقُ النَّامُوسِ» : جَوْهرَ القوانينِ، ولُبَّ الطُّقوسِ، وعِلَّتَها الغائيَّةَ. ويُمكنُ حصرُ مَعانيها في ثلاثةِ مَحاورَ: احدها : المِحورُ الرُّوحيُّ (العِرفانيُّ) ، والمراد منه : الأسرارُ الباطنةُ المكنونةُ خلفَ ظواهرِ الأحكامِ الشرعية . فإذا كانَ «النَّامُوسُ» يُمثِّلُ جَسدَ الشَّريعةِ (بهيئتِهِ الأمريَّةِ والنَّهيِيَّةِ)، فإنَّ «حَقائقَهُ» هي الرُّوحُ والمقصدُ الأسمى الذي يَعرُجُ بالعبدِ إلى مَعرفةِ الحقِّ -جَلَّ وعَلا-. وهي الأسرارُ الباطنةُ المكنونةُ خلفَ ظواهرِ الأحكامِ. فإذا كانَ «النَّامُوسُ» يُمثِّلُ جَسدَ الشَّريعةِ (بهيئتِهِ الأمريَّةِ والنَّهيِيَّةِ)، فإنَّ «حَقائقَهُ» هي الرُّوحُ والمقصدُ الأسمى الذي يَعرُجُ بالعبدِ إلى مَعرفةِ الحقِّ -جَلَّ وعَلا-. مِثالٌ: الصَّلاةُ في مَنظورِ «النَّامُوسِ» هي هيئةٌ مخصوصةٌ من ركوعٍ وسجودٍ، أمَّا في مَنظورِ «حَقائقِ النَّامُوسِ» فهي الاستغراقُ في الخُضوعِ، والاتِّصالُ الوجدانيُّ بِسَاحَةِ القُدْسِ الإلهيَّةِ. احدها : الجانب الروحي (العرفاني) ، والمراد منه : الأسرار الباطنة الكامنة وراء الأحكام الشرعية. وعليه : فإذا كان "الناموس" هو جسد الشريعة (أوامر ونواهي)، فإن "حقائق الناموس" هي روحها ومقاصدها التي توصل العبد إلى معرفة الله. مثال: (الصلاة) ؛ فان المقصود منها في اصطلاح (الناموس) : ركوع وسجود وهلم جرا، والمقصود منها في اصطلاح (حقائق الناموس) : الخضوع التام والاتصال الروحي بسَاحَةِ الْقُدْسِ الْإِلَهِيَّةِ. المِحورُ الفلسفيُّ: تُشيرُ «حَقائقُ النَّامُوسِ» فلسفياً إلى القوانينِ الكليَّةِ العابرةِ للزمانِ والمكانِ، وهي المبادئُ العقليَّةُ والوجوديَّةُ التي يبتني عليها نظامُ العالمِ، وتُسمَّى عندَ الفلاسفةِ بـ«الحقائقِ المُطلقةِ» التي يَرومُ العقلُ إدراكَها. سِياقُ «النَّامُوسِ الإلهيِّ»: ويُعنى بها الغاياتُ القُصوى التي وُضِعَ لأجلِها القانونُ السَّماويُّ، وتتجلى في: إقامةِ العَدلِ: بصفتهِ الجوهرَ الحقيقيَّ لكلِّ تشريعٍ. تزكيةِ النَّفسِ: وهي الغرضُ الباطنيُّ من مَشاقِّ التكاليفِ. حِفظِ النِّظامِ: لضمانِ استقامةِ حياةِ «النَّاسُوتِ» (عالمِ المادَّةِ). احدها : الجانب الروحي (العرفاني) ، والمراد منه : الأسرار الباطنة الكامنة وراء الأحكام الشرعية. وعليه : فإذا كان "الناموس" هو جسد الشريعة (أوامر ونواهي)، فإن "حقائق الناموس" هي روحها ومقاصدها التي توصل العبد إلى معرفة الله. مثال: (الصلاة) ؛ فان المقصود منها في اصطلاح (الناموس) : ركوع وسجود وهلم جرا، والمقصود منها في اصطلاح (حقائق الناموس) : الخضوع التام والاتصال الروحي بسَاحَةِ الْقُدْسِ الْإِلَهِيَّةِ. ثانيها : المراد من معنى (حقائق الناموس) بالاصطلاح الفلسفي : القوانين الكلية التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان . وهي المبادئ العقلية والوجودية التي يقوم عليها نظام العالم، والتي اعتبرها الفلاسفة "الحقائق المطلقة" التي يسعى العقل لإدراكها. ثالثها : المراد من معنى (حقائق الناموس) في سياق "الناموس الإلهي" : الغايات التي من أجلها وُضع القانون الإلهي، وهي: اولا : تحقيق العدل ، وهو الجوهر الحقيقي لكل قانون. ثانيا : تزكية النفس ، وهو الغرض الباطن من التكاليف. ثالثا : حفظ النظام ؛ لضمان استقامة حياة "الناسوت" (عالم المادة). (2)لَا بَأْسَ بالْاِلْتِفَات : أَنَّ المراد من عالم الناسوت ـ عالم الملك ـ هو : العالم الذي ندركه بحواسنا الخمس، ويُسمى عالم الأجسام. مرتبته : "المرتبة النازلة" أو الكثيفة من العوالم الاربعة ؛ لأنه يتكون من مادة وصورة. وظيفته : مرآة تظهر فيها آثار الأسماء الإلهية بشكل مادي وملموس. /خريطة العوالم الأربعة (من الأدنى للأعلى)/ ولاجل ان تتخيل موقع "الناسوت" في اصطلاحات اصحاب المعرفة والمعقول ، يمكن ترتيب العوالم كالتالي : 1 ـ عالم الناسوت : عالم المادة والشهادة (الأرض، الأجسام، الطبيعة). 2 ـ عالم الملكوت : عالم الغيب والأرواح والملائكة (عالم المعاني). 3 ـ عالم الجبروت : عالم الصفات والقدرة الإلهية (البرزخ الأعلى). 4 ـ عالم اللاهوت : عالم الذات الإلهية الصرفة التي لا تُدرك. (3) النساء : 59 . (4) النجم : 7ـ9 . (5) الأَحزاب : 33 . (6) النساء : 59 . (7) الأَحزاب : 33 . (8) يس : 69 . / الأَدب في باب الاِصطفاء اِنعكاس لحقائق ومقامات إِلٰهيَّة/ هناك قاعدة جارية في أَبواب المعارف مُهمَّة جِدّاً، ينبغي صرف النظر إِليها. لكن غفل عنها الكثير، بل يستهينون بها ولم يدركوا مغزاها، وهي: «أَنَّ الآداب في باب الاِصطفاء عبارة عن اِنعكاسات حقائق. كما أَنَّ الفضائل في باب الاِصطفاء ـ أَيضاً ـ الواردة في بيانات الوحي ليست مُجاملات، بل کاشفة عن حقائق ومراتب كمالات ومقامات إِلٰهيَّة». وعليه: فالآداب بين الباري (جَلَّ ثناؤه) والأَصفياء، أَو بين نفس الأَصفياء كاشف عن كمالات ومقامات إِلٰهيَّة يتمتَّع بها الأَصفياء. / تعامل أُمّ البنين وأَولادها مع الحسنين ^/ ومنه يتَّضح: أَنَّ الأَدب الحاصل من أَبي الفضل العبَّاس وإِخوته ووالدتهم أُمّ البنين مع سيِّدا شباب أَهل الجنَّة ^ لدليل على تمتعهم بكمالات ومقامات إِلٰهيَّة. ومن ثَمَّ ذكر علماء المعقول في العلوم العقليَّة: «أَنَّ الآداب انعكاس لهيئات الأَخلاق». وبعبارة أُخرىٰ: أَنَّ لغة الفضائل ولغة المدح والمديح الواردة في بيانات الوحي: أَحَد مناهج ولغات بيانات الوحي المعرفيَّة، ومعناها: الُحجِّيَّة، بخلاف لغة: (الذَّمّ)، فإِنَّها تعني في بيانات الوحي المعرفيَّة وفي لغة العقل العملي: عدم الحُجِّيَّة. ومنه يتَّضح: ما ورد في كثير من بيانات الوحي المعرفيَّة، وفي مواطن وموارد عديدة الذَّامَّة والمعاتبة لأَفعال بعض زوجات سيِّد الأَنبياء ’ ـ كما ورد ذلك في سورة التَّحريم، ومعناها: لغة من لغات المعارف والعقائد الإِلٰهيَّة ـ معلنة ومُثبتة: أَنَّ زوجات سيِّد الأَنبياء ’ لا يتمتَّعن بالحُجِّيَّة الإِلٰهيَّة ولا بالاِصطفاء الإِلٰهيّ. وعلى ضدِّه قس المدح والثناء الخاص والصَّادر في بيانات الوحي في حقِّ أَهل البيت (صلوات اللّٰـه عليهم) ـ كالوارد في سورة الدَّهر وسورة الحشر ـ؛ فإِنَّه ليس كالمدح والثناء البشري، ولا كالمدح والثناء بمقتضىٰ العادة أَو العرف، وإِنَّما مدح وثناء إِلٰهيّ ناسوتي وناموسي إِلٰهيّ، بُيِّنت فيه فضائل أَهل البيت (صلوات اللّٰـه عليهم) وكمالاتهم وكراماتهم ومقاماتهم الإِلٰهيَّة بصورة خاصَّة، ومعناه: تَمتُّع أَهل البيت (صلوات اللّٰـه عليهم) بالحُجِّيَّة الإِلٰهيَّة، وبالاِصطفاء الإِلٰهيّ، وبوجوب طاعتهم. وبعبارة أُخرىٰ: أَنَّ بيانات الوحي تُعَبِّر في مواد كثيرة عن حقائق المعارف والعقائد الإِلٰهيَّة بلغات خاصَّة ـ لا عامَّة ـ عديدة، فبدل أَنْ يُبيِّن الباري أَحَد فضائل ومقامات أَهل البيت (صلوات اللّٰـه عليهم) الإِلٰهيَّة ـ مثلاً ـ بلغة: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ] [النساء: 59]، يُبِيِّنُها بلسانٍ ولغةٍ أُخرىٰ، كلغة: [وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ] [النجم: 7ـ9]، أَو بلغة: [إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا] [الأَحزاب: 33]، وسائر المدح والثَّناء الَّذي لم يخُصَّ الباري تعالىٰ به أَحَداً من هذه الأُمَّة إِلَّا أَهل البيت (صلوات اللّٰـه عليهم). وهذا التَّخصيص وهذه الموازين والحفاوة والكرامة والوجاهة الصَّادرة من ساحة القدس الإِلٰهيَّة ليست موازین وحفاوة وتكريم وتوجيه بشراً أَو عرفاً أَو عادةً جارية، وإِنَّما موازين ربوبيَّة وناسوتيَّة وناموسيَّة إِلٰهيَّة قائمة على وفق قاعدة: «ليس بين اللّٰـه وأَحد قَرَابَة». وعليه: فحينما يصحر الباري جلَّ شأنه بفضائل ويأتي بثناء ومدائح في حقِّ مخلوقٍ فمعناه: اِصطفاء إِلٰهيّ؛ وحُجِّيَّة؛ ووجوب طاعة؛ ووجوب ولاية إِلٰهيَّة، غاية الأَمر أَنَّ هناك فارقاً بين لغة بيانات الوحي الُمصرِّحة، كـ: بیان قوله جلَّ قوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ] [النساء: 59]، ولغتها المُعرِّضة، كـ: بيان قوله عزَّ من قائل: [إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا] [الأَحزاب: 33]، فإِنَّ لغة الأُولىٰ لغة عقل نظري، بخلاف لغة الثانية؛ فإِنَّها لغة عقل عملي. إِذَنْ: لغة الكرامات والفضائل والمدائح الواردة في بيانات الوحي لغة حُجِّيَّة إِلٰهيَّة، ولغة معارف وعقيدة إِلٰهيَّة، وليست (والعياذ باللّٰـه تعالىٰ) لغة شعر أَو نثر، أَو مديح بترنُّم فيه مسحة خيال أَو مداعبات للخيال، ومن ثَمَّ يؤكِّد الباري جلَّ قدسه كراراً ومراراً: أَنَّ ما ورد في قرآنه الكريم ليس شعر شاعر وما شاكله، وإِنَّما هو عبارة عن كشَّاف عظيم للحقائق والواقعيَّات الكونيَّة المهولة الثَّابتة في عوالمها غير المتناهية . فانظر: بيانات الوحي، منها: بيان قوله عزَّ من قائل: [وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ] [يس: 69]. وصلى ال